صديق الحسيني القنوجي البخاري
551
فتح البيان في مقاصد القرآن
أن مذهبه في الهمزة الداخلة على حرف العطف تقدير معطوف عليه بين الهمزة وحرف العطف ، ومذهب الجماعة أن حرف العطف في نية التقديم ، وإنما تأخر وتقدمت عليه الهمزة لقوة تصدرها في أول الكلام ، والزمخشري هنا لم يقدر بينهما معطوفا عليه بل جعل ما بعد الفاء معطوفا على ما قبلها من الجمل وهو قوله فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [ الأعراف : 95 ] ذكره السمين . أَهْلُ الْقُرى المذكور قبله وقيل المراد بالقرى مكة وما حولها لتكذيبهم للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، والعموم أولى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً أي وقت بيات وهو الليل وَهُمْ نائِمُونَ غافلون عنه أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى إنكار بعد إنكار للمبالغة في التوبيخ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى أي نهارا الضحى ضحوة النهار أي صدره وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت . وفي السمين الضحى اشتداد الشمس وامتداد النهار يقال ضحى وضحاء إذا ضممته قصرته ، وإذا فتحته مددته ، وقال بعضهم الضحى بالضم والقصر لأول ارتفاع الشمس ، والضحاء بالفتح والمد لقوة ارتفاعها قبل الزوال ، والضحى مؤنث انتهى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أي حال كونهم مشتغلين بما لا يعود عليهم بفائدة . أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ الاستفهام للتقريع والتوبيخ وإنكار ما هم عليه من أمان ما لم يؤمن من مكر اللّه بهم وعقوبته لهم ، وفي تكرير هذا الاستفهام زيادة تقرير لإنكار ما أنكره عليهم ، وقيل مكر اللّه استدراجه إياهم بما أنعم عليهم من الدنيا والنعمة والصحة ، والأولى حمل الآية على ما هو أعم من ذلك . ثم بين حال من أمن مكر اللّه فقال فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ المكر الاحتيال والخديعة والمراد بمكر اللّه هنا فعل ما يعاقب به الكفرة على كفرهم ، وأضيف إلى اللّه لما كان عقوبة على ذنبهم ، فإن العرب تسمي العقوبة على أي وجه كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة ، وهذا نص في قوله وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] قاله ابن عطية . قلت : وهو تأويل حسن وإنه من باب المقابلة أيضا والفاء في قوله فَلا يَأْمَنُ للتنبيه على أن العذاب يعقب أمن مكر اللّه إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ أي الذين أفرطوا في الخسران ووقعوا في وعيده الشديد حتى صاروا إلى النار ، قال الشبلي : مكره بهم تركه إياهم على ما هم عليه . أَ وَلَمْ يَهْدِ أي أو لم يبين فالهداية هنا بمعنى التبيين ، ولهذا عديت باللام لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ إهلاك أَهْلِها أي المشركين ، قاله السدي وقيل المراد بهم أهل مكة وما حولها أي الذين كانوا من قبلهم فورثوها عنهم وخلفوهم فيها